ابن أبي شريف المقدسي
208
المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة
الشريفة الفراغ ( عن هوى النفس ) أي : ميلها إلى مشتهياتها ( و ) عن ( حظوظها ) المنعوت ذلك الفراغ بأنه ( مما لا يقع إلا لمن استولت عليه معرفة اللّه تعالى حتى زهد في نفسه ، حتى إنه ) صلى اللّه عليه وسلم ( ما انتصر لنفسه قط ، إلا أن تنتهك حرم اللّه ) تعالى ، جمع « حرمة » أي : الأمور التي أثبت لها الاحترام ، ( وما خيّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ) أي : على من صدر منه التخيير ، وإن كان الأحظ له صلى اللّه عليه وسلم الشيء الآخر ، فقد ساق صاحب « الشفاء » بإسناده من الموطأ رواية يحي بن يحي إلى عائشة رضي اللّه عنها قالت : « ما خيّر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أمرين قط إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما ، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه ، وما انتقم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة اللّه تعالى فينتقم للّه بها » « 1 » ، وهو في الصحيحين وسنن أبي داود بمعناه وغالب ألفاظه . وفي موضع آخر من « الشفاء » قالت عائشة رضي اللّه عنها : « ما رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منتصرا من مظلمة ظلمها قط ما لم تكن حرمة من محارم اللّه تعالى » « 2 » وهو عند مسلم وأبي داود بلفظ : « ما ضرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شيئا قط بيده ، ولا خادما ، ولا امرأة ، إلا أن يجاهد في سبيل اللّه ، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه ، إلا أن ينتهك شيء من محارم اللّه تعالى فينتقم للّه » « 3 » وهذان الحديثان دالان على زهده صلى اللّه عليه وسلم في كل ما فيه حظ للنفس . ( ولعمري ) وأصله : القسم بحياة المتكلم ( أن من رآه ) حال كون ذلك الرائي ( طالبا للحق لم يحتج عند مشاهدة وجهه الكريم إلى غيره ، لظهور شهادة طلعته المباركة بصدق لهجته ) أي : كلامه ؛ لأن المتكلم يلهج بالكلام أي يصدر منه متكررا ( وصفاء سريرته ، كما قال المرتاد للحق : فما هو إلا أن رأيت وجهه علمت أنه ليس بوجه كذاب ) والمرتاد للحق هو الطالب له ، والمراد به هنا عبد اللّه بن سلام رضي اللّه عنه ، فقد روى الترمذي وابن قانع وغيرهما بأسانيدهم عنه أنه قال : « لمّا قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة جئت لأنظر إليه ، فلما استنبت
--> ( 1 ) الشفاء للقاضي عياض ، 1 / 137 ، والحديث في الموطأ برقم 903 ، وفي صحيح البخاري برقم 230 ، وصحيح مسلم برقم 1813 . ( 2 ) الشفاء للقاضي عياض ، 1 / 140 . ( 3 ) أخرجه مسلم برقم 2328 ، وأبو داود برقم 4786 ، والرواية عندهم : « ما ضرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شيئا قط بيده ولا خادما ولا امرأة » دون ذكر بقية الحديث .